العملات الرقمية المستقرة Stablecoins
برزت العملات الرقمية المستقرة كأحد العناصر المهمة في المشهد المالي، إذ تختلف عن غيرها من العملات المشفرة بفضل استقرارها وما توفره من مزايا متعددة.
وفي عام 2025 أصبحت هذه العملات تمثل نسبة كبيرة إجمالي القيمة السوقية للعملات المشفرة وهو ما لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته، خصوصًا مع استمراره في الارتفاع بشكل متواصل، وفي هذا المقال سنتاقش هذه العملات ونتعرف على أهميتها وأهم مزاياها وعيوبها بشكل يفيد جميع فئات المتداولين.
ما هي العملات الرقمية المستقرة؟
هي فئة خاصة من العملات المشفرة صممت لتقليل تقلب الأسعار الحاد الذي يميز معظم العملات الرقمية الأخرى.
ويجري ذلك عبر ربط قيمتها بأصول مستقرة مثل العملات الورقية (الدولار الأمريكي أو اليورو) أو السلع الأساسية (كالذهب والفضة) وتجمع هذه العملات بين ميزتين أساسيتين:
- خصائص العملة المشفرة: السرعة، الرقمية، واللامركزية.
- استقرار الأصول التقليدية: كالعملات الوطنية أو المعادن الثمينة.وبهذا تعد هذه العملات وسيلة آمنة نسبيًا لحفظ القيمة وإجراء المعاملات، مما يجعلها جسرًا يربط بين العالمين التقليدي والرقمي.
من أبرز الأمثلة على هذه الفئة عملة التيثر (USDT)، التي تم إطلاقها عام 2014 من قبل شركة Tether Limited، حيث تربط قيمتها مباشرة بالدولار الأمريكي بنسبة 1:1، أي أن كل وحدة من العملة تعادل دولارًا واحدًا.
يمكن النظر إلى العملات الرقمية المستقرة باعتبارها شكلًا حديثًا وتجريديًا من المال، أشبه بتطور الأوراق النقدية في القرون الماضية، وهو ما يفسر اهتمام البنوك المركزية بها وسعيها لفهم دورها المحتمل في النظام المالي المستقبلي.
لماذا تم ابتكار العملات المستقرة؟
جاءت فكرة العملات الرقمية المستقرة كحل للتقلب الشديد الذي يميز معظم العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثريوم، حيث تشهد هذه الأصول تقلبات سعرية حادة تجعلها غير مناسبة للمستثمرين الباحثين عن درجة من الاستقرار.
العملات المستقرة تعالج هذه المشكلة من خلال ربط قيمتها بأصول مستقرة مثل الدولار الأمريكي أو غيره من العملات الورقية والسلع، مما يوفر للمتداولين وسيلة آمنة وسريعة للتحرك داخل سوق الكريبتو دون الحاجة إلى الرجوع للعملات التقليدية في كل مرة.
على سبيل المثال، عملات مثل تيثر (USDT) ويو إس دي كوين (USDC) تحافظ على قيمة ثابتة تقارب 1 دولار أمريكي بغض النظر عن تقلبات السوق، وهو ما يجعلها أداة أساسية لحماية رأس المال.
يستطيع المستثمرون الاحتفاظ بها داخل محافظهم الرقمية، ثم تحويلها بسهولة إلى أي عملة مشفرة أخرى عند ظهور فرصة للشراء، أو العودة إليها عند هبوط الأسعار لتفادي الخسائر.
ومع ذلك ليس كل العملات الرقمية المستقرة مبنية على نفس الآلية؛ فهناك عدة أنواع تعتمد على طرق مختلفة للحفاظ على ثبات السعر، مما يجعل معرفة الفروق بينها ضروريًا لاختيار الأنسب لكل استراتيجية استثمارية
أنواع العملات الرقمية المستقرة
تنقسم الأصول الرقمية المستقرة إلى ثلاث فئات رئيسية:
- العملات المستقرة المدعومة بالعملات التقليدية: وهي الأكثر شيوعًا، حيث ترتبط مباشرة بعملات مثل الدولار الأمريكي أو اليورو، ومن أبرز أمثلتها: Tether – USD Coin – TrueUSD
- العملات المستقرة المدعومة بالسلع: تستند قيمتها إلى أصول مادية مثل الذهب، مما يمنحها غطاءً ملموسًا، ومن أمثلتها: Tether Gold و PAX Gold.
- العملات الثابتة المدعومة بالعملات المشفرة: تؤمن قيمتها عبر احتياطات من عملات رقمية أخرى مثل الإيثريوم، وأشهر مثال عليها هو عملة DAI.
أهمية العملات الرقمية المستقرة
تعتبر crypto واحدة من أكثر الأصول تقلبًا، اذ قد يشهد سعر البيتكوين على سبيل المثال تقلبات حادة تصل إلى عشرات النسب المئوية في يوم واحد فقط.
هذا الاضطراب يعكس هشاشة السوق وتأثره الشديد بالظروف الاقتصادية العالمية، وهو ما يمثل تحديًا رئيسيًا أمام المستثمرين.
من هنا جاءت أهمية العملة الرقمية المستقرة Stablecoins ، التي تستند في قيمتها إلى أصول تقليدية مثل العملات الورقية أو المعادن الثمينة، معتمدة على تقنية البلوكشين لضمان مستوى منخفض من التقلب. وتكمن أهميتها في محورين أساسيين:
- تعزيز السيولة مع تقليل التقلبات داخل المحافظ الاستثمارية.
- توفير مرونة عالية في الاستخدام من حيث سرعة المعاملات والأمان وإمكانية الاعتماد عليها في التداولات اليومية.
تزداد فائدة العملات الرقمية المستقرة خصوصًا خلال فترات الهبوط أو التصحيح في سوق الكريبتو، حيث تمنح المستثمرين فرصة لحماية محافظهم وتحسين أدائهم.
كما أنها تسمح بالاستفادة من تقنيات البلوكشين مع الحفاظ على ارتباط وثيق بالعملات التقليدية كالدولار أو اليورو، وحتى المعادن الثمينة كالذهب.
وبذلك تشكل أداة فعالة لتنويع المحافظ الاستثمارية والتعرض بشكل غير مباشر لحركة أسعار الصرف والسلع خارج نطاق سوق العملات المشفرة.
مزايا الأصول الرقمية المستقرة
تتميز الأصول الرقمية بعدة مزايا تجعلها عنصرًا محوريًا في النظام المالي الرقمي.
أبرز هذه المزايا هو الحد من تقلب الأسعار، اذ توفر ملاذًا آمنًا يمكن من خلاله تعويض الانخفاضات أو الارتفاعات الحادة في العملات المشفرة الأخرى.
كما أن اعتمادها على تقنية البلوكشين يمنحها سرعة عالية في المعاملات وسهولة كبيرة في التداول بفضل طبيعتها الرقمية واللامركزية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك أن تحويل العملات المستقرة يتم عادة بسرعة وشفافية تفوق بكثير نظام SWIFT البنكي التقليدي.
فضلًا على ذلكك تمنح هذه العملات المتداولين القدرة على تحقيق الأرباح والاحتفاظ بها عبر التحويل إليها عند الحاجة، مما يساعد على حماية رأس المال من التقلبات المفاجئة.
وبالتالي فإن العملات المستقرة تؤدي دورًا محوريًا في سوق الكريبتو، حيث تتيح الانتقال السلس بين النقود التقليدية والأصول الرقمية داخل المحافظ الاستثمارية.
سلبيات العملات الرقمية المستقرة
رغم المزايا العديده التي تقدمها الأصول الرقمية المستقرة، إلا أن لها بعض التحديات التي يجب أخذها بعين الاعتبار:
محدودية الأرباح
من المعروف في عالم التداول أن الأصول منخفضة التقلب لا تتيح فرصًا كبيرة لتحقيق مكاسب مرتفعة.
وبذلك فإن الهدف الأساسي من العملات المستقرة ليس تحقيق أرباح ضخمة، بل توفير وسيلة لحماية رأس المال والحفاظ على قيمته داخل النظام المشفر.
كما أنها لا ترتبط عادةً بمشاريع مبتكرة أو تكنولوجيات جديدة كما هو الحال مع بعض العملات الرقمية الأخرى.
مشكلة السيولة
لا تتمتع جميع العملات الرقمية المستقرة بمستوى السيولة ذاته فعلى سبيل المثال تحتل أول ثلاث عملات مستقرة وهي تيثر (Tether) ويو إس دي كوين (USD Coin) وباينانس يو إس دي (Binance USD) ما يقارب 85% من إجمالي القيمة السوقية لجميع العملات المستقرة، والتي يتجاوز عددها الخمسين.
هناك اختلاف في طريقة دعم هذه العملات؛ فبعضها مثل Dai مربوطة بالدولار بنسبة 100% ولكنها مدعومة بمزيج من العملات المشفرة، في حين أن تيثر مربوطة أيضًا بالدولار بنسبة 100% لكنها مدعومة باحتياطي من الدولارات الفعلية.
استراتيجيات الاستثمار بالعملة المستقرة
لا يقتصر دور تلك العملات على كونها ملاذًا آمنًا ضد تقلبات السوق، بل إنها أصبحت أداة رئيسية لابتكار استراتيجيات استثمارية متنوعة داخل النظام البيئي للعملات المشفرة.
فهي تمنح المستثمرين إمكانية تحقيق دخل ثابت، وتنمية رأس المال، والحفاظ على الثروة.
فيمل يلي أبرز الطرق التي يمكن من خلالها توظيف العملات المستقرة ضمن خطة استثمارية متكاملة:
الإقراض لتحقيق دخل منتظم
إحدى أكثر الطرق شيوعًا للاستفادة من العملات المستقرة هي إقراضها عبر منصات التمويل اللامركزي (DeFi) مثل Aave وCompound، أو من خلال خدمات الإقراض المركزية، يقوم المستثمر بإقراض عملاته للمستخدمين الآخرين مقابل عائد ثابت غالبًا ما يتفوق على العوائد التقليدية للحسابات المصرفية.
- الآلية: العملات المستقرة تُستخدم كضمان للقروض، وفي المقابل يحصل المالك على فوائد دورية تُدفع إما بنفس العملة أو بأصل مشفر آخر.
- المميزات: هذه الاستراتيجية أقل خطورة من إقراض أصول شديدة التذبذب مثل البيتكوين أو الإيثريوم، بفضل استقرار القيمة الذي يمنع تقلبات حادة.
التخزين (Staking) وتعدين السيولة (Liquidity Mining)
طريقة أخرى لبناء العوائد هي تجميد العملات المستقرة في بروتوكولات معينة مقابل مكافآت أو فوائد.
- تعدين السيولة: يتم وضع العملات في بورصات لامركزية مثل Uniswap أو SushiSwap لتسهيل التداول بين أزواج العملات وفي المقابل يحصل المشارك على مكافآت قد تكون عملات مستقرة إضافية أو رموز حوكمة.
- ورغم أن هذه الطريقة تنطوي على مخاطر أعلى من الإقراض، إلا أنها توفر فرصة لعوائد أكبر.
- الرهان (Staking): تقوم بعض منصات DeFi بعرض برامج رهان للعملات المستقرة، حيث يلتزم المستثمر بقفل أصوله لفترة زمنية محددة مقابل دخل دوري، ميزة الرهان بالأصول المستقرة مقارنة بالأصول المتقلبة تكمن في ثبات العائد وعدم تأثره بهبوط الأسعار.
اقرأ ايضاً: أفضل استراتيجيات الاستثمار
أبرز التطورات الحالية في تنظيم العملات المستقرة عالميًا
تشهد هذه العملات جهودًا تنظيمية واسعة حول العالم، حيث أصدرت دول مثل سنغافورة وهونغ كونغ والاتحاد الأوروبي تشريعات خاصة بها.
وتعمل المملكة المتحدة على وضع إطار تنظيمي متكامل من المتوقع اعتماده بحلول عام 2026.
أما الأبرز حاليًا فهو “قانون التوجيه وإرساء الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية” أو ما يعرف بـ Genius Act، نظرًا لارتباط معظم العملات المستقرة بالدولار وهيمنة الولايات المتحدة على سوق العملات المشفر
الخلاصة
في النهاية تمثل العملات الرقمية المستقرة ركيزة محورية في عالم الاستثمار بالعملات الرقمية، إذ تمنح المتداولين عنصر الاستقرار في بيئة تتسم بالتقلب الشديد، وتفتح المجال أمام فرص متعددة.
لكن يبقى الوعي بالمخاطر المرتبطة بها مثل قضايا الشفافية، والتشريعات التنظيمية، وعدم استقرار بعض النماذج الخوارزمية شرطًا أساسيًا للاستفادة منها بذكاء ومع اتباع استراتيجيات مدروسة، يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة تمنح التوازن لمحفظتك الاستثمارية ولأي استفسار خاص بالتداول تواصل مع منصة عرب بورصة للحصول على استشارات لا مثيل لها من قبل المستشارين المتخصصين.
